نورالدين علي بن أحمد السمهودي
85
وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )
في حديث مسلم : « وجعل اثني عشر ميلا حول المدينة حمى » لأن ذلك هو البريد أي : ستة أميال من جهة قبلتها ، وستة أميال من جهة شاميها ، وكذلك في المشرق والمغرب ، ومثله حديث « حمى كل ناحية من المدينة بريدا » أي من القبلة إلى الشمال بريدا ، ومن المشرق إلى المغرب بريدا ، وقد أخذ بذلك مالك رحمه الله ، لكن فرّق بين حرم الشجر وحرم الصيد ، وجعل البريد حرم الشجر ، وما بين اللابتين حرم الصيد . قال عياض في الإكمال : قال ابن حبيب : تحريم ما بين اللابتين مخصوص بالصيد ، قال : وأما قطع الشجر فبريد في دور المدينة كلها ، بذلك أخبرني مطرف عن مالك ، وهو قول عمر بن عبد العزيز وابن وهب ، انتهى . وحكى الباجي في المنتقى مثله عن ابن نافع ، ونقل ابن زبالة عن مالك أنه قال : الحرم حرمان ؛ فحرم الطير والوحش من حرة وأقم - أي : وهي الحرة الشرقية - إلى حرة العقيق - أي وهي الغربية - وحرم الشجر بريد في بريد ، وقال البرهان بن فرحون : حرم الصيد ما بين حرارها الأربع ، وسماهما أربعا لوجود الحرتين المذكورتين في الجهات الأربع ؛ لانعطاف بعض الشرقية والغربية من جهة الشمال والقبلة ، ولم يعول أصحابنا في تحديد الحرم على البريد مع ما فيه من الزيادة ؛ لأن أدلته ليست بالقوية ، فعولوا على ما اشتملت عليه الأحاديث الصحيحة من الجبلين واللابتين ، على أن إطلاق أحاديث التحريم مقتض لعدم الفرق بين حرم الشجر وحرم الصيد ، سواء كان الحرم بريدا أو دونه ، غير أن في أحاديث البريد ما يشعر بأنه للشجر ، مع أن ابن زبالة - ومحله من الضعف معلوم - روي عن ابن بشير المازني أنه سمع رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم يحرّم ما بين لابتيها - يعني : المدينة - من الصيد ، وعن أبي هريرة وغيره نحوه ، وفي رواية له « من الطير أن يصاد بها » وقد يقال : هو من باب إفراد فرد مما حرم بالذكر . فإن قيل : قوله في حديث مسلم : « حرم ما بين لابتيها ، وجعل اثني عشر ميلا حول المدينة حمى » دال على الفرق المذكور . قلنا : ممنوع ؛ لأن غايته أن يراد بالحمى الحرم ، فكأنه قال : وجعل اثني عشر ميلا حولها حرما ؛ إذ ليس فيه أنه جعله حمى الشجر . مقدار البريد والفرسخ والميل تتمة : البريد أربع فراسخ ، والفرسخ ثلاثة أميال ، والميل ثلاثة آلاف ذراع وخمسمائة ذراع بذراع اليد على الأصح ، كما صححه ابن عبد البر وغيره ، وهو الموافق لاختيار ما ذكره من المسافات في الحرم المكي وغيره ، وذراع اليد - على ما ذكره المحب الطبراني والنووي وغيرهما - أربعة وعشرون أصبعا ، كل أصبع ست شعيرات مضمومة بعضها إلى بعض ، وغلط النووي القلعي في قوله « ثلاث شعيرات » ومقدار الذراع المذكور من ذراع